توقفت اليوم عند زاوية شارع لم أنتبه لها من قبل، رغم أنني مررت بها عشرات المرات. كان هناك بائع يجلس على كرسي خشبي قديم، يبيع الفول السوداني المحمص. الرائحة كانت دافئة ومألوفة، تذكرني بأيام الطفولة. اشتريت منه كيساً صغيراً، وبينما كنت أمشي وأتناول حبات الفول، لاحظت أن المدينة تبدو مختلفة عندما تبطئ قليلاً.
المشكلة أنني دائماً في عجلة من أمري. أمشي بسرعة، رأسي مليء بالمهام والأفكار، وأنسى أن أنظر حولي حقاً. اليوم قررت أن أجرب شيئاً مختلفاً: أن أمشي بلا وجهة محددة لمدة نصف ساعة. قد يبدو هذا بسيطاً، لكنه كان أصعب مما توقعت. استمر عقلي في محاولة تخطيط الطريق، في البحث عن "هدف" للمشي.
في منتصف الجولة، وصلت إلى تقاطع صغير ولم أكن متأكداً من الاتجاه الذي يجب أن أسلكه. يساراً نحو الشارع الذي أعرفه جيداً، أم يميناً نحو حي لم أستكشفه من قبل؟ اخترت اليمين. ووجدت نفسي في شارع ضيق مليء بالمحلات القديمة، أحدها يبيع الكتب المستعملة. دخلت لأتصفح الرفوف، وكادت ساعة أن تمر دون أن أشعر بها.
كان هناك رجل عجوز يرتب الكتب ببطء شديد، كأنه يعاملها كأشياء ثمينة. سألته عن كتاب معين، فابتسم وقال: "الكتب الجيدة لا تُباع، تجد طريقها إليك." لا أعرف إن كان محقاً، لكنني أحببت الفكرة.
عدت إلى البيت وأنا أفكر: كم من الأماكن في مدينتي لم أكتشفها بعد؟ كم من الشوارع والمحلات والقصص الصغيرة التي تمر بجانبي كل يوم دون أن ألاحظها؟ المدينة أكبر بكثير مما نظن، إذا أعطيناها الوقت لتكشف نفسها.
ربما الدرس هنا ليس عن السفر إلى أماكن بعيدة، بل عن تعلم كيف نرى الأماكن القريبة بعيون جديدة. المشكلة ليست في قلة الأماكن الجديدة، بل في أننا نمشي في نفس الطرق بنفس الطريقة. وهذا، بصراحة، يبدو مملاً بعض الشيء.
غداً سأحاول طريقاً آخر. ليس لأن لدي سبباً محدداً، بل لأرى ما الذي سأجده. ومن يدري؟ ربما أجد متجراً آخر للكتب، أو ربما مقهى صغيراً يصنع أفضل قهوة في المدينة. أو ربما لا شيء مميزاً على الإطلاق. لكن على الأقل، سأكون قد مشيت.
#استكشاف_المدينة #مشي #يوميات #أماكن_جديدة #تأملات