استيقظت اليوم على صوت المطر يطرق النافذة بأصابع خفيفة، كأنه يهمس بقصة لم تُكتب بعد. ظللت في السرير دقائق أطول من المعتاد، أستمع إلى ذلك الإيقاع المتقطع، وأتساءل عن كل القصص التي بدأت بمشهد مطر ولم تنتهِ أبدًا.
في المقهى الصغير قرب البيت، جلست بجانب النافذة الضبابية. طلبت قهوة سوداء ورحت أراقب الناس يمرون مسرعين تحت مظلاتهم الملونة. امرأة عجوز توقفت أمام واجهة المحل، تنظر إلى انعكاسها في الزجاج، ثم مسحت شعرها بحركة بطيئة قبل أن تكمل طريقها. كانت تلك اللحظة كافية - لحظة واحدة من التردد الإنساني الخالص.
حاولت الكتابة، لكن الكلمات كانت عنيدة. كتبت جملة، ثم مسحتها. كتبت أخرى، وشعرت بثقلها. لماذا تبدو بعض الأيام وكأن اللغة نفسها تقاومك؟ أغلقت الدفتر وقررت أن أكتفي بالمراقبة، أن أكون قارئة لهذا اليوم بدلًا من كاتبته.
في طريق العودة، انزلقت قدمي قليلًا على الرصيف المبلل. لم أسقط، لكن قلبي قفز للحظة. ضحكت على نفسي - كيف أن الجسد يعرف الخوف قبل أن يدركه العقل. ربما هذا ما ينقص قصصي: تلك اللحظات التي يسبق فيها الإحساس المعنى، حين يكون الخوف مجرد قفزة قلب قبل أن يصير كلمات.
الآن، في هدوء المساء، أدركت أن اليوم لم يكن فارغًا كما ظننت. كان مليئًا بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع القصص - المطر، الانعكاس، الانزلاق، القلب الذي يقفز. ربما الكتابة ليست عن البحث عن اللحظات الكبرى، بل عن الانتباه للحظات التي تمر دون أن نلحظها.
وربما، في النهاية، أجمل القصص هي تلك التي لا تُكتب أبدًا - تلك التي نعيشها فقط، ونتركها تتبخر مع المطر.
#قصة #كتابة #تأمل #مطر #يوميات