اليوم الجمعة، وكان الصباح يفوح برائحة الهيل والقهوة من مطبخ جارتي أم سامي. وقفتُ عند النافذة، والبخار يتصاعد من فنجاني الصغير، وأدركتُ أن أجمل اللحظات في حياتي دائماً مرتبطة بالطعام.
قررتُ اليوم أن أطبخ مقلوبة بالدجاج، تلك الوصفة التي علّمتني إياها جدتي وهي تضحك وتقول: "البيت إذا ما فيه مقلوبة ما فيه بيت!" لا أعرف لماذا تتبعتُ هذا المنطق الغريب، لكنني صدّقتُها دائماً.
في السوق، اخترتُ الباذنجان بعناية — ذلك اللون البنفسجي اللامع الذي يعكس ضوء الشمس كأنه مرآة صغيرة. رائحة التوابل خلطت هواء السوق بعطر الكزبرة والكركم والقرفة، حتى شعرتُ أن أنفي يرقص. اشتريتُ بصلتين كبيرتين، وأنا أعرف مسبقاً أنني سأبكي عند تقطيعهما، لكن هذه الدموع تستحق كل الألم.
في المطبخ، صفّيتُ الأرز والخضار والدجاج في القدر طبقةً طبقة، كأنني أرسم لوحة. الصوت حين سكبتُ المرق الساخن على الأرز — ذلك الأزيز الخفيف — جعل قلبي يطمئن. ثم انتظرتُ، وهذا أصعب جزء في الطبخ: الانتظار.
حين قلبتُ القدر على الصحن الكبير، توقّف الزمن لثانية. أمسكتُ أنفاسي. ثم ظهرت المقلوبة بكامل جمالها — أرز ذهبي، وباذنجان بنّي ناعم، ودجاج يتفتت بلطف. الرائحة ملأت البيت حتى فُتح باب الجيران!
أكلتُ وحدي اليوم، لكنني لم أشعر بالوحدة أبداً. كل لقمة كانت تحمل صوت جدتي وضحكتها.
#مقلوبة #طبخ_عربي #ذكريات_المطبخ #وصفات_تراثية