استيقظت هذا الصباح على رائحة الكمّون المحمّص تتسلل من المطبخ. كانت أمي قد بدأت بالفعل في تحضير الحريرة، حساء رمضان التقليدي، رغم أننا لا نزال في بداية آذار. "الطقس بارد"، قالت ببساطة، وكأن هذا تفسير كافٍ لكل شيء.
وقفت بجانبها أراقب يديها وهي تقطّع الكرفس بدقة متناهية. كل قطعة بنفس الحجم تقريباً، نتيجة خمسين عاماً من الممارسة. سألتها إن كانت تقيس بعينيها، فضحكت وقالت: "اليد تعرف، يا حبيبتي".
في السوق ظهراً، تجوّلت بين الأكشاك الملونة. البائع العجوز الذي يبيع التوابل استقبلني بابتسامة عريضة. عرض عليّ حبّات الهيل الأخضر الطازجة - عندما سحقت واحدة بين أصابعي، انفجرت رائحتها كأنها موسيقى. اشتريت كيساً صغيراً، ومعه بعض الزعفران الإيراني الذي أصرّ أنه "الأفضل في المدينة".
عند العودة للمنزل، بدأت العمل على المسمّن - تلك المعجّنات المطوية التي علمتني جدتي صنعها. العجين بين يديّ ناعم وطيّع، والسمن المذاب يلمع ذهبياً. كل طبقة أرقّها بالشوبك القديم، نفس الشوبك الذي استخدمته جدتي، بعلامات استعماله وذكرياته المحفورة في الخشب.
الفشل الأول: انقطعت العجينة. الثانية: سميكة جداً. ربما لم أتقن هذا بعد، فكرت وأنا أضحك على نفسي. لكن الثالثة... الثالثة كانت مثالية. رقيقة حتى تكاد تكون شفافة، تُطوى بسهولة ورشاقة.
عندما خرجت من الفرن، كانت ذهبية ومقرمشة، تتصاعد منها خيوط الدخان الحلو. قضمة واحدة - السمن الساخن، حلاوة العسل، نكهة ماء الزهر الخفيفة. أغمضت عيني ورأيت جدتي تبتسم.
#طعام #ثقافة #وصفات_عائلية #مطبخ_عربي #ذكريات