توقفتُ اليوم عند زاوية الشارع التي لا ألتفت إليها عادةً—تلك التي يقف عندها بائع القهوة العجوز كل صباح. لاحظتُ أنه يرتّب أكوابه الورقية بدقة غريبة، كأنها جنود في طابور. سألته بفضول: "لماذا كل هذا الترتيب؟" ابتسم وقال: "لأن الفوضى تجعل القهوة تبرُد أسرع." لم أكن متأكدًا إن كان يمزح أم جادًا، لكنني أحببتُ المنطق.
مشيتُ بعدها نحو الحديقة القديمة قرب المحطة. كان الضوء يتسلل عبر أوراق الأشجار بطريقة تجعل الأرض تبدو وكأنها لوحة منقّطة بالذهب. جلستُ على مقعد خشبي متهالك، وسمعتُ صوت عصافير تتجادل—أو هكذا بدا لي. ربما كانت تناقش أفضل وقت للهجرة، أو ربما كانت مجرد ثرثرة صباحية. مَن يدري؟
حاولتُ اليوم تجربة طريق مختلف للعودة إلى البيت. اعتقدتُ أنه سيكون أقصر، لكنني وجدتُ نفسي أمام سوق صغير لم أكن أعرف بوجوده. كان مليئًا بروائح التوابل والخبز الطازج—تلك الروائح التي تجعلك تشعر أنك في المكان الصحيح حتى لو كنتَ تائهًا. اشتريتُ كيسًا من الزيتون، ليس لأنني بحاجة إليه، بل لأن البائعة كانت تنادي على بضاعتها بحماس معدٍ.