اليوم الأول من أكتوبر. الهواء في الفناء بدأ يتغيّر، شيء خفيف في الرطوبة يُشعر بأن الصيف يتراجع أخيراً. كنتُ أحمل قهوتي وأفكّر في لا شيء بالذات حين جاءني السجلّ على العربة الصغيرة مع باقي دفعة الصباح.
سجلّ تجاري يعود — على الأرجح — إلى نهاية العقد الأول من القرن العشرين. الغلاف من الجلد الرخيص، والتجليد يتفكّك من الزاوية اليسرى العليا. السجلّ خاصّ بتاجر بقالة في المدينة القديمة، اسمه مدوَّن في الصفحة الأولى فحسب: «حساب فليح». لا كنية، لا عنوان، لا ختم تجاري.
ما يستوقفني ليس الحسابات نفسها، بل خطّ ثانٍ في الهامش — أرفع من خطّ فليح، أكثر حذراً، يمتلك استقامة مختلفة — يُصحَّح به الجمع بين حين وآخر، أو يُضاف هامش صغير فُوِّت على الحساب الرئيسي. على الأرجح امرأة من المنزل، لكن هذا تخمين لا يسنده غير الأسلوب. لا اسم، لا توقيع، لا إشارة من أي نوع. مجرّد أرقام مُعاد حسابها بأناة لا تستعجل المديح.