استيقظت باكراً هذا الصباح، والشمس لم تشرق بعد بالكامل. قررت أن أمشي في الحي القديم قبل أن يستيقظ الناس، قبل أن تمتلئ الشوارع بالضجيج المعتاد. كان الهواء بارداً ونظيفاً، وكانت رائحة الخبز الطازج تتسلل من مخبز صغير في نهاية الزقاق.
وقفت أمام المخبز لحظة. كان الخباز رجلاً عجوزاً بيديه المتعبتين، يرتب الأرغفة في صفوف متقنة كأنه يرتب قصائد. سألته: "كم الساعة تبدأ العمل؟" ابتسم دون أن ينظر إلي وقال: "الخبز لا ينتظر النوم يا بني." ضحكت بصوت خفيف واشتريت رغيفاً ساخناً، تركت الحرارة تدفئ أصابعي وأنا أكمل مشيتي.
في الشارع التالي، لاحظت شيئاً غريباً: كل المحلات المغلقة كانت أبوابها المعدنية مطلية بألوان مختلفة. أزرق باهت، أخضر زيتوني، أحمر صدئ. لم أنتبه لهذا من قبل، رغم أنني مررت من هنا عشرات المرات. كيف نمر بنفس الأماكن ولا نراها حقاً؟ جلست على حافة رصيف وأكلت الخبز ببطء، محاولاً أن أحفظ كل لون، كل تفصيل صغير.